الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

41

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

فهذه ثلاث فوائد في فائدة . الخامسة : إذهاب غيظ قلوب فريق من المؤمنين أو المؤمنين كلّهم ، وهذه تستلزم ذهاب غيظ بقية المؤمنين الذي تحملوه من إغاظة أحلامهم وتستلزم غيظ قلوب أعدائهم ، فهذه ثلاث فوائد في فائدة . والتعذيب تعذيب القتل والجراحة . وأسند التعذيب إلى اللّه وجعلت أيدي المسلمين آلة له تشريفا للمسلمين . والإخزاء : الإذلال ، وتقدّم في البقرة . وهو هنا الإذلال بالأسر . والنصر حصول عاقبة القتال المرجوّة . وتقدّم في أول البقرة . والشفاء : زوال المرض ومعالجة زواله . أطلق هنا استعارة لإزالة ما في النفوس من تعب الغيظ والحقد ، كما استعير ضدّه وهو المرض لما في النفوس من الخواطر الفاسدة في قوله تعالى : فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ [ البقرة : 10 ] قال قيس بن زهير : شفيت النفس من حمل بن بدر * وسيفي من حذيفة قد شفاني وإضافة ال صُدُورَ إلى قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ دون ضمير المخاطبين يدلّ على أنّ الذين يشفي اللّه صدورهم بنصر المؤمنين طائفة من المؤمنين المخاطبين بالقتال ، وهم أقوام كانت في قلوبهم إحن على بعض المشركين الذين آذوهم وأعانوا عليهم ، ولكنّهم كانوا محافظين على عهد النبي صلى اللّه عليه وسلم ، فلا يستطيعون مجازاتهم على سوء صنيعهم ، وكانوا يودّون أن يؤذن لهم بقتالهم ، فلمّا أمر اللّه بنقض عهود المشركين سرّوا بذلك وفرحوا ، فهؤلاء فريق تغاير حالته حالة الفريق المخاطبين بالتحريض على القتال والتحذير من التهاون فيه . فعن مجاهد ، والسدّي أنّ القوم المؤمنين هم خزاعة حلفاء النبي صلى اللّه عليه وسلم ، وكانت نفوس خزاعة إحن على بني بكر بن كنانة ، الذين اعتدوا عليهم بالقتال ، وفي ذكر هذا الفريق زيادة تحريض على القتال بزيادة ذكر فوائده ، وبمقارنة حال الراغبين فيه بحال المحرضين عليه ، الملحوح عليهم الأمر بالقتال . وعطف فعل وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ على فعل وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ ، يؤذن باختلاف المعطوف والمعطوف عليه ، ويكفي في الاختلاف بينهما اختلاف المفهومين والحالين ، فيكون ذهاب غيظ القلوب مساويا لشفاء الصدور ، فيحصل تأكيد الجملة الأولى بالجملة الثانية ، مع بيان متعلّق الشفاء ويجوز أن يكون الاختلاف بالمصداق مع اختلاف